الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

144

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

النعام ولا مخ له ، ومتى دميت رجل واحدة له لم ينتفع بالباقية ، والضب أيضا لا يشرب ولكنه يسمع . ومن حمقها أنّها إذا أدركها القنّاص أدخلت رأسها في كثيث رمل تقدّر أنّها قد استخفت منه ، وهي قوية البصر على ترك الماء ، وأشدّ ما يكون عدوها إذا استقبلت الريح ، وكلّما اشتدّ عصوفها كانت أشدّ عدوا ، ويبتلع العظم الصلب والحجر والمدر والحديد فتذيبه كالماء . قال الجاحظ : من زعم أنّ جوف النّعام إنّما يذهب الحجارة لفرط الحرارة فقد أخطأ ، ولكن لا بد مع الحرارة من غزائر ، اخر ، بدليل أنّ القدر يوقد عليها الأيام ولا تذهب الحجارة ، وكما أن جوف الكلب والذئب يذيبان العظم ولا يذيبان نوى التمر ، وكما أن الإبل تأكل الشوك وتقتصر عليه وإن كان شديدا كشجر أم غيلان وتلقيه روثا ، وإذا أكلت الشعير ألقته صحيحا ، وإذا رأت النعامة في اذن صغير لؤلؤة أو حلقة اختطفتها ، والنعام تبتلع الجمر فيطفئها جوفه ، ولا يكون الجمر عاملا في إحراقه ، وفي ذلك أعجوبتان : إحداهما : التغذّي بما لا يتغذّى به ، والثانية : الاستمراء والهضم ، وهذا غير منكر لأن السمندر يبيض ويفرخ في النار - وأعلم حمزة يوم بدر بريش نعامة . وقالوا : « مثل النعامة لا طير ولا جمل » يضرب لمن لم يحكم له بخير ولا شرّ . وقالوا « أروى من النعامة » لأنّها لا تشرب الماء ، فإن رأته شربته عبثا . وقالوا « ركب جناح نعامة » يضرب لمن جدّ في أمر . وقالوا « تكلم فلان فجمع بين الأروى والنعامة » إذا تكلّم بكلمتين مختلفتين ، لأن الأروى يسكن الجبال والنعامة تسكن الفيافي . وقالوا « أحمق من نعامة » و « أجبن من نعامة » . ومرارته سمّ ساعة ، وذرقه إذا أحرق وسحق وطلي على السعفة أبرأها من وقته ، وقشر بيضه إذا طرح في الخلّ بعد ما يخرج جميع ما فيه تحرّك في